محمد أبو زهرة
1555
زهرة التفاسير
في هذا النص تعداد للأعمال الصالحات التي قام بها هؤلاء المؤمنون الأولون ، واستحقوا بها نعيم الجنة ، وتوقوا بها عذاب النار ، وهي أمور ثلاثة : آخذ بعضها بحجز بعض ، ومتلاقية في معناها ومغزاها . أول هذه الأمور أنهم هاجروا وأخرجوا من ديارهم فهم هجروا مغانيهم التي تربوا فيها غير راغبين ولا محبين للخروج ، بل ملجئين مضطرين ، ولذلك روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال مخاطبا مكة عندما خرج منها : « إنك أحب أرض اللّه إلى ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت » « 1 » ويروى أن ورقة بن نوفل قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ليتني أكون جذعا إذ يخرجك قومك . فقال له عليه الصلاة والسلام : « أو مخرجىّ هم » قال : ما أوتى أحد بمثل ما أوتيت إلا عودي « 2 » واللّه تعالى يقول : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ . . . ( 30 ) [ الأنفال ] فكان الإخراج سبب الهجرة . ولقد جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي أن كلمة هاجروا يراد بها الهجرة اختيارا ، والإخراج هو الإخراج اضطرارا ، وإني أقول : إن هذه التفرقة لم تكن في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وربما تكون من بعد ذلك ، فمن الناس من يخرج من ديار الشرك أو الكفر مختارا ليكون قوة لأهل الإسلام ، ومنهم من يخرج اضطهادا وإيذاء ، كما فعل كفار اليوم باللاجئين المسلمين . والأمر الثاني الذي استحقوا به الجزاء الأوفى هو أنهم تحملوا الأذى في سبيل اللّه تعالى ، فهم أوذوا في مكة قبل الهجرة ، واستمر الإيذاء بعدها ، وكل ذلك في سبيل اللّه ، وفي سبيل الحق وإعلائه ، وجعل كلمته هي العليا ، وكلمة الباطل هي السفلى ، وإن هذا يزكى الخير فيهم ، فإنهم ما أخرجوا من ديارهم ، وهجروا أحباءهم وذويهم إلا في سبيل اللّه تعالى .
--> ( 1 ) رواه الترمذي : المناقب - فضل مكة ( 3860 ) . ورواه أحمد : أول مسند الكوفيين ( 17966 ) ، والدارمي : السير - إخراج النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 2398 ) ، كما رواه ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنه : المناسك - فضل مكة ( 3099 ) . ( 2 ) متفق عليه ، رواه في حديث طويل البخاري : بدء الوحي ( 3 ) ، ومسلم : الإيمان - بدء الوحي ( 231 ) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها .